يتصدر مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في مصر المشهد التشريعي والرأي العام، بعد إحالة الحكومة مشروع القانون إلى مجلس النواب تمهيداً لمناقشته وإقراره، في خطوة تُعد من أبرز محاولات إعادة تنظيم منظومة الأسرة المصرية منذ عقود.
ويستهدف المشروع وضع إطار قانوني أكثر شمولاً للعلاقات الأسرية، بداية من الخطبة والزواج، مروراً بالنفقة والحضانة، وصولاً إلى إجراءات الطلاق وإثبات النسب، وسط نقاشات مجتمعية وقانونية واسعة بشأن تأثيره على استقرار الأسرة المصرية ومستقبل بعض الظواهر الاجتماعية، وعلى رأسها الزواج العرفي.
355 مادة لإعادة تنظيم ملف الأسرة
وافقت الحكومة على مشروع قانون الأسرة أو الأحوال الشخصية للمسلمين، والذي يتضمن 355 مادة موزعة على ثلاثة أقسام رئيسية.
ويتناول القسم الأول الولاية على النفس، بما يشمل الحقوق الشخصية والعلاقات الأسرية، بينما يركز القسم الثاني على الولاية على المال، متضمناً أحكام النفقة والميراث وإدارة الأموال. أما القسم الثالث فيختص بالإجراءات المنظمة للمنازعات الأسرية وآليات التسوية القانونية.
ويعكس هذا التقسيم توجهاً نحو بناء منظومة قانونية متكاملة تهدف إلى تقليل النزاعات الأسرية وتسريع إجراءات التقاضي، مع توفير حماية قانونية أوضح للأطراف المختلفة داخل الأسرة.
وثيقة ما قبل الزواج.. تنظيم جديد للعلاقة الزوجية
من أبرز البنود المستحدثة في مشروع القانون، إدراج وثيقة اتفاق قبل الزواج، والتي تسمح للطرفين بوضع شروط خاصة تنظم العلاقة الزوجية، بشرط توافقها مع أحكام الشريعة والقانون.
وتهدف هذه الوثيقة إلى تحديد الحقوق والالتزامات بشكل واضح قبل إتمام الزواج، بما يسهم في الحد من الخلافات المستقبلية، خاصة في الملفات المتعلقة بالإنفاق أو العمل أو محل الإقامة أو بعض الشروط الخاصة بالحياة الزوجية.
ويرى متخصصون أن هذه الخطوة تعكس اتجاهاً نحو تعزيز فكرة التوافق المسبق بين الزوجين، وتقليل حجم النزاعات التي تصل إلى ساحات القضاء بعد الزواج.
قيود جديدة على دعاوى الخلع
يتضمن مشروع القانون كذلك ضوابط جديدة تتعلق بدعاوى الخلع، حيث نصت المادة 84 على إلزام الزوجة التي لم يمضِ على زواجها ثلاث سنوات بالحصول على إذن من قاضي الأمور الوقتية قبل إقامة دعوى الخلع.
كما يلزم النص القاضي ببذل محاولات للإصلاح بين الزوجين قبل السماح بإتمام إجراءات الدعوى، في إطار توجه تشريعي يهدف إلى تقليل نسب الانفصال المبكر والحفاظ على استقرار الأسرة.
ويُتوقع أن يثير هذا البند نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الحقوقية والاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بالتوازن بين حماية الأسرة وضمان حق المرأة في إنهاء العلاقة الزوجية.
الحضانة.. الأب في المرتبة الثانية
شهد ملف الحضانة تعديلات لافتة داخل مشروع القانون الجديد، إذ تم تحديد سن حضانة الذكور بحد أقصى 15 عاماً، بينما تستمر حضانة الإناث حتى الزواج.
كما أعاد المشروع ترتيب أحقية الحضانة، بحيث تأتي الأم في المرتبة الأولى، يليها الأب مباشرة إذا ثبت أن مصلحة الطفل تقتضي ذلك.
ويعكس هذا التعديل توجهاً نحو منح القاضي مساحة أوسع لتقدير مصلحة الطفل وفق الظروف الاجتماعية والنفسية لكل حالة، بدلاً من الالتزام بترتيب جامد للحضانة.
التعدد.. الحق الشرعي والضمانات القانونية
في ملف تعدد الزوجات، أكد القائمون على إعداد مشروع القانون أنه لا يتضمن أي نص يُلزم الزوج بالحصول على موافقة كتابية من الزوجة الأولى قبل الزواج مرة أخرى.
وفي المقابل، يمنح المشروع الزوجة الحق في تضمين شرط داخل عقد الزواج يمنع الزوج من التعدد، بما يتيح لها اتخاذ إجراءات قانونية حال مخالفة هذا الشرط.
ويعكس هذا التوجه محاولة لتحقيق توازن بين الحفاظ على الأحكام الشرعية المنظمة للتعدد، وفي الوقت ذاته توفير ضمانات قانونية إضافية للزوجة عبر بنود التعاقد.
الزواج العرفي.. النقطة الأكثر إثارة للجدل
يبقى ملف الزواج العرفي القضية الأكثر حساسية داخل مشروع القانون الجديد، في ظل الانتشار الواسع لهذه الظاهرة وما ترتب عليها من أزمات قانونية واجتماعية متكررة.
ووفق التصريحات المرتبطة بمشروع القانون، فإن الزواج العرفي سيظل صحيحاً من الناحية الشرعية إذا استوفى أركانه، إلا أن الاعتراف القانوني به أمام القضاء سيكون محدوداً للغاية.
فالقانون الجديد لن يعتد بالزواج العرفي إلا في حالتين فقط: إثبات النسب أو إثبات الطلاق، بينما لن تتمكن الزوجة من المطالبة بحقوقها القانونية الكاملة إذا كان الزواج غير موثق رسمياً بعد صدور القانون.
ويعني ذلك عملياً أن أي زواج عرفي يتم بعد تطبيق القانون قد يحرم الزوجة من حقوق النفقة والميراث وإثبات العلاقة الزوجية أمام المحاكم، ما يفتح الباب أمام تحولات كبيرة في طبيعة التعامل مع هذه الظاهرة داخل المجتمع المصري.
التوثيق الرقمي.. العامل الحاسم في نجاح القانون
يرتبط نجاح مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد بقدرة الدولة على تطوير منظومة التوثيق الرسمي والرقمي، خاصة مع التوسع في الخدمات الحكومية الإلكترونية عبر بوابة مصر الرقمية.
ويرى خبراء أن تقليل الاعتماد على الزواج العرفي لن يتحقق عبر التشريع فقط، بل يتطلب تسهيل إجراءات التوثيق الرسمي وخفض التكاليف وتوسيع نطاق الخدمات الرقمية في مختلف المحافظات.
كما أن تعزيز الربط الإلكتروني بين جهات التوثيق والمحاكم والسجل المدني قد يسهم في تقليل النزاعات المتعلقة بإثبات الزواج أو النسب أو الحقوق المالية، وهو ما يمثل أحد الأهداف الرئيسية للمشروع الجديد.
مشروع قانون يعيد تشكيل العلاقة الأسرية
يمثل مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد واحداً من أهم التشريعات الاجتماعية المطروحة حالياً في مصر، نظراً لتأثيره المباشر على ملايين الأسر.
ورغم أن المشروع لا يزال قيد المناقشة داخل مجلس النواب، فإن ملامحه الأولية تكشف عن توجه واضح نحو تشديد الاعتماد على التوثيق الرسمي، وتقليص المساحات القانونية المرتبطة بالعلاقات غير الموثقة.
وفي ظل استمرار الجدل المجتمعي حول بعض البنود، تبدو الرسالة الأبرز التي يحملها المشروع واضحة: العلاقة الأسرية في المستقبل ستكون مرتبطة بصورة أكبر بالإجراءات القانونية والتوثيق الرسمي، مع تضييق المساحة أمام أي ترتيبات غير موثقة قانونياً.









