سجلت أسعار الذهب في الأسواق المحلية المصرية انخفاضًا حادًا بنسبة 3.7% خلال تعاملات الأسبوع المنتهي مساء السبت، في مفارقة لافتة، حيث صعد سعر الأوقية عالميًا بنسبة 3.6% في ختام تعاملات الأسبوع المنتهي الجمعة. ووفقًا لتقرير صادر عن منصة “آي صاغة” لتداول الذهب والمجوهرات عبر الإنترنت، فقد جاء هذا التراجع المحلي مدفوعًا بتقلبات الأسواق العالمية، وارتفاع الدولار، وتحسن أداء الأسهم عقب الإعلان عن هدنة تجارية مؤقتة بين الولايات المتحدة والصين.
من جانبه، أوضح سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة “آي صاغة”، أن الذهب في السوق المحلي فقد نحو 175 جنيهًا خلال الأسبوع، إذ افتتح جرام الذهب عيار 21 – الأكثر تداولًا في مصر – تعاملاته عند 4715 جنيهًا، لينهي الأسبوع عند مستوى 4540 جنيهًا. ويعكس هذا الهبوط تفاعل السوق المحلية مع العوامل الخارجية المؤثرة على سعر المعدن النفيس.
في المقابل، تراجع سعر الأوقية عالميًا إلى أدنى مستوياته خلال شهر، حيث بدأ الأسبوع عند 3325 دولارًا للأوقية، وانخفض إلى مستوى 3120 دولارًا، قبل أن يعوض بعض خسائره ويغلق عند 3204 دولارات، بحسب التقرير ذاته. وتُعد هذه التراجعات الأكبر منذ يونيو 2021، في ظل عودة المستثمرين إلى الأصول عالية المخاطر.
وبنهاية تعاملات الأسبوع، سجلت أسعار الذهب في السوق المصرية تباينًا ملحوظًا بين العيارات المختلفة، حيث بلغ سعر جرام الذهب عيار 24 نحو 5189 جنيهًا، وسجل عيار 18 مستوى 3891 جنيهًا، في حين بلغ سعر عيار 14 حوالي 3027 جنيهًا، بينما استقر سعر الجنيه الذهب عند 36320 جنيهًا.
السبب الرئيسي وراء تراجع الذهب عالميًا ومحليًا
ووفقًا لإمبابي، فإن السبب الرئيسي وراء تراجع الذهب عالميًا ومحليًا يعود إلى الهدنة التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتي دفعت المستثمرين إلى إعادة توجيه رؤوس أموالهم نحو الأسهم والأصول مرتفعة المخاطر، بعد الاتفاق على خفض الرسوم الجمركية بنسبة 115% لمدة 90 يومًا، مما قلل من جاذبية الذهب كملاذ آمن في ظل تحسن مزاج الأسواق.
وعلى صعيد التطورات الجيوسياسية، ساهمت تهدئة التوترات بين عدد من القوى الإقليمية والعالمية في تقليص الطلب على الذهب. فقد أدى وقف إطلاق النار بين باكستان والهند، إلى جانب الجهود الدبلوماسية المستمرة لحل الأزمة الروسية الأوكرانية، إلى تعزيز مناخ الاستقرار الدولي، وبالتالي تراجع الإقبال على الذهب كأداة للتحوط من المخاطر.
ورغم هذا التراجع، فقد عاد بعض التوازن إلى سوق الذهب بعد صدور تقرير وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني، والذي خفض تصنيف الدين السيادي الأمريكي من Aaa إلى Aa1، مشيرة إلى ارتفاع تكاليف الفائدة ونمو الدين العام بوتيرة غير مستدامة، مع تعديل النظرة المستقبلية من “سلبية” إلى “مستقرة”. واعتبرت الوكالة أن هذا القرار يعكس تجاوز نسب الدين الحكومي ومدفوعات الفائدة للمستويات المقبولة مقارنة بنظرائه من الاقتصادات الكبرى.
من ناحية أخرى، أظهرت البيانات الاقتصادية في الولايات المتحدة إشارات إلى تباطؤ اقتصادي، حيث أشار تقرير صادر عن جامعة ميشيغان إلى انخفاض ثقة المستهلك الأمريكي إلى 50.8 نقطة خلال مايو، وهو أدنى مستوى منذ يوليو 2022، في ظل تصاعد القلق بشأن المستقبل الاقتصادي. كما ارتفعت توقعات التضخم للعام المقبل إلى 7.3%، مما يشير إلى ضغوط تضخمية متصاعدة تُثقل كاهل المستهلكين والأسواق معًا.
الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
ورغم بعض التقدم في جهود خفض التضخم، إلا أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لا يزال يتسم بالحذر في تعديل سياسته النقدية، في ظل الغموض المحيط بتأثيرات السياسات التجارية، واستمرار تقلبات الأسواق العالمية. ووفقًا لتقديرات “GDP Now” الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا، فمن المتوقع أن يحقق الاقتصاد الأمريكي نموًا بمعدل 2.4% خلال الربع الثاني من عام 2025، رغم ضعف أداء مبيعات التجزئة خلال أبريل.
وفي قطاع العقارات، أظهرت بيانات الإسكان الأمريكية ارتفاعًا طفيفًا في عمليات بدء البناء بنسبة 1.6% خلال أبريل، لتصل إلى 1.361 مليون وحدة، فيما تراجعت تصاريح البناء بنسبة 4.7% بعد زيادة طفيفة في الشهر السابق. كما أظهرت البيانات أن أسعار الواردات ارتفعت بنسبة 0.1% على أساس شهري، ما يسلط الضوء على استمرار الضغوط التضخمية وإن كانت بوتيرة أقل.
كل هذه المؤشرات مجتمعة تُظهر أن أسعار الذهب، رغم انخفاضها، لا تزال تتحرك في نطاق معقد يتأثر بتداخل العوامل الاقتصادية والجيوسياسية. وتبقى النظرة المستقبلية مرهونة بتطورات الأسواق العالمية، وتغير توجهات المستثمرين، ومدى استمرار السياسات التحفيزية أو التشديدية من قبل البنوك المركزية الكبرى.





