في ظل التغيرات الاقتصادية العالمية والاضطرابات الجيوسياسية، توقعت شركة “اتش سي” للأوراق المالية والاستثمار أن يتجه البنك المركزي المصري لتثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعه المقبل، المقرر عقده يوم الخميس 17 أكتوبر 2024. يأتي هذا التوقع في سياق الأوضاع الاقتصادية الراهنة التي تواجهها البلاد، ووسط التحديات المرتبطة بالنمو الاقتصادي ومعدلات التضخم.
تحسن في الوضع المالي الخارجي لمصر
أكدت “اتش سي” على التحسن الملحوظ في الوضع المالي الخارجي لمصر خلال الفترة الأخيرة. أظهرت البيانات تحقيق فائض كبير في ميزان المدفوعات خلال الربع الرابع من السنة المالية 2023/2024، حيث بلغ 5.55 مليار دولار أمريكي، ما يمثل زيادة كبيرة تصل إلى تسعة أضعاف مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وعلى الرغم من هذا التحسن، انخفض صافي الأصول الأجنبية في القطاع المصرفي المصري بمقدار 3.54 مليار دولار في أغسطس مقارنة بالشهر السابق، لكنه لا يزال في وضع إيجابي بصافي أصول بلغ 9.73 مليار دولار.
نمو احتياطي النقد الأجنبي
واصل صافي احتياطي النقد الأجنبي في مصر تسجيل زيادات طفيفة، حيث ارتفع بقيمة 140 مليون دولار في شهر سبتمبر ليصل إلى 46.737 مليار دولار مقارنة بـ 46.597 مليار دولار في أغسطس. يعكس هذا النمو استقرارًا نسبيًا في قدرة البلاد على الاحتفاظ بالعملات الأجنبية، مما يعزز ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري.
تحديات أمام النمو الاقتصادي
ورغم التحسن في بعض المؤشرات المالية، إلا أن “اتش سي” لفتت الانتباه إلى التحديات التي تواجه النمو الاقتصادي في مصر، والتي تتمثل بشكل رئيسي في ارتفاع أسعار الفائدة وتأثيرها السلبي على استثمارات القطاع الخاص. تراجع مؤشر مديري المشتريات لشهر سبتمبر إلى 48.8 نقطة، وهو أقل من الحد الأدنى البالغ 50 نقطة، مما يدل على انكماش في نشاط القطاع الخاص غير النفطي. كما تأثر الناتج المحلي الإجمالي في الربع الرابع من السنة المالية 2023/2024، حيث بلغ نموه 2.4% فقط، مقارنة بـ 3.8% في العام المالي السابق. هذا التباطؤ يعود جزئيًا إلى التوترات الجيوسياسية التي أثرت على البيئة الاستثمارية.
توقعات التضخم وارتفاع الأسعار
بالنسبة للتضخم، تتوقع “اتش سي” أن يشهد ارتفاعًا في شهر أكتوبر، حيث من المتوقع أن يصل إلى 26.5% على أساس سنوي، بزيادة شهرية قدرها 1.0%. هذه الزيادة تأتي نتيجة لرفع أسعار الكهرباء للقطاعات المنزلية والتجارية والصناعية في سبتمبر، بالإضافة إلى احتمال ارتفاع أسعار الطاقة في أكتوبر، خاصة مع اجتماع اللجنة الحكومية المسؤولة عن تسعير البنزين والسولار المتوقع عقده قريباً. كما تدرس الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية زيادة أسعار الغاز الطبيعي للقطاع الصناعي بنسبة تتراوح بين 10% و30%، نتيجة لارتفاع تكاليف استيراد الغاز.
تأثيرات الفائدة الحقيقية وعوائد أذون الخزانة
بحسب البيانات، جاء العائد على أذون الخزانة المصرية أجل 12 شهرًا عند 26.238%، مما يعكس سعر فائدة حقيقي بنسبة 3.00% بعد احتساب الضرائب للمستثمرين الأجانب، استناداً إلى توقعات التضخم المتوسطة للعام المقبل التي بلغت 19.3%. ورغم أن هذا العائد أعلى من الفائدة الحقيقية على أذون الخزانة الأمريكية (1.86%)، إلا أنه لا يزال أقل من نظيره التركي الذي يصل إلى 17.4%.
خفض الفائدة: الحاجة الملحة والتوقعات المستقبلية
على الرغم من الحاجة الملحة لخفض أسعار الفائدة لتحفيز النمو الاقتصادي وزيادة الاستثمارات، تتوقع “اتش سي” أن يتأخر هذا القرار حتى نهاية العام. يعود هذا التأخير إلى التوقعات بارتفاع معدل التضخم في أكتوبر وما بعده، مما يجعل تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل هو الخيار الأكثر ترجيحاً للبنك المركزي.
في ضوء هذه المعطيات، من الواضح أن مصر تواجه تحديات اقتصادية كبيرة تتعلق بارتفاع التضخم وتباطؤ النمو. ومع ذلك، فإن التحسن في الوضع المالي الخارجي واستقرار الاحتياطي النقدي يمثلان عوامل إيجابية. يبقى قرار البنك المركزي المصري بتثبيت أسعار الفائدة هو المتوقع في المستقبل القريب، في انتظار تحسن في المؤشرات الاقتصادية الأخرى قد يتيح المجال لتخفيضات في وقت لاحق من العام.



