أصدرت شركة Liminal Custody، الرائدة عالميًا في البنية التحتية للمحافظ الرقمية وتكنولوجيا حفظ الأصول الرقمية، تقريرًا إستراتيجيًا معمقًا تحت عنوان The Walled Garden، يقدّم إطارًا مرجعيًا شاملًا للبنوك والمؤسسات المالية الساعية إلى ترسيخ وجودها في منظومة الأصول الرقمية سريعة النمو. ويأتي التقرير في توقيت بالغ الأهمية، مع تسارع التحول العالمي من التمويل التقليدي إلى نماذج التمويل اللامركزي، وتزايد الضغوط التنافسية على المؤسسات المصرفية الكبرى لمواكبة هذا التحول أو المخاطرة بالتراجع.
يعكس التقرير واقعًا جديدًا بات يفرض نفسه على القطاع المصرفي، حيث لم يعد التحول الرقمي خيارًا استراتيجيًا طويل الأجل، بل ضرورة فورية تفرضها تحولات السوق وسلوك المستثمرين، وتنامي الاعتماد على تقنيات البلوك تشين والأصول الرقمية في المعاملات المالية.
تحولات كبرى تعيد تشكيل النظام المالي العالمي
يسلط تقرير Liminal الضوء على مجموعة من المؤشرات الرقمية اللافتة التي تعكس حجم التحول الجاري في النظام المالي العالمي. فوفقًا للدراسة، يتم تداول ما يقرب من 46 تريليون دولار أمريكي من العملات المستقرة خارج نطاق الأنظمة المصرفية التقليدية، وهو ما يشير إلى انتقال سيولة ضخمة بعيدًا عن القنوات المصرفية المعتادة.
وفي المقابل، يتوقع التقرير أن يصل حجم سوق الأصول الحقيقية المرمّزة (RWA) إلى نحو 16 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2030، ما يفتح آفاقًا استثمارية غير مسبوقة أمام المؤسسات القادرة على التكيّف مع هذا المشهد الجديد. علاوة على ذلك، تشير التقديرات إلى أن الأصول الرقمية قد تمثل 10% من إجمالي حجم التداول العالمي خلال السنوات الخمس المقبلة، وهو تطور كفيل بإعادة رسم خريطة الأسواق المالية العالمية.
البنوك أمام معادلة الفرصة والتهديد
من ناحية أخرى، يؤكد التقرير أن البنوك التقليدية تقف اليوم أمام معادلة معقدة تجمع بين الفرص الضخمة والمخاطر المتزايدة. ففي الوقت الذي بدأت فيه مؤسسات مالية كبرى ضخ استثمارات مكثفة في التكنولوجيا استعدادًا للانتقال نحو التمويل اللامركزي، فإن التأخر في اتخاذ خطوات عملية قد يؤدي إلى فقدان حصص سوقية لصالح كيانات أكثر مرونة وقدرة على الابتكار.
وفي هذا السياق، صرح ماهن غوبتا، مؤسس شركة Liminal Custody، بأن السوق لم تعد تنتظر البنوك للحاق بالتطورات، بل تجاوزتها بالفعل بوتيرة متسارعة. وأوضح أن ضمان حصة في سوق الأصول الحقيقية المتوقع أن تبلغ قيمته 16 تريليون دولار يتطلب من المؤسسات المالية التحرك الجاد والفوري، مشيرًا إلى أن نموذج “الحديقة المسوّرة” الذي يطرحه التقرير يتيح للبنوك فرض معايير الأمان والحوكمة الخاصة بها مباشرة على سلاسل الكتل، دون فقدان السيطرة المؤسسية.
الامتثال والحوكمة… التحدي الأكبر
يركز التقرير على أن الامتثال التنظيمي يمثل العقبة الإستراتيجية الأبرز أمام البنوك الراغبة في دخول عالم الأصول الرقمية. فالتحدي لا يكمن فقط في تبني تقنيات البلوك تشين، بل في كيفية دمج منتجات مصرفية عالية القيمة ومقيدة الصلاحيات ضمن منصات مفتوحة بطبيعتها، دون التضحية بمعايير الحوكمة والضبط المؤسسي التي تشكل جوهر العمل المصرفي.
ويطرح التقرير مفهوم “الحديقة المسوّرة” كحل عملي يوازن بين الانفتاح التكنولوجي والانضباط المؤسسي، عبر إنشاء بيئات رقمية تتيح للبنوك التحكم في الوصول، وتطبيق سياسات الامتثال، وإدارة المخاطر، مع الاستفادة في الوقت ذاته من مزايا البلوك تشين.
مسار عملي للتبني السريع
من جانبه، أكد راجيش ساباري، الرئيس التنفيذي للشؤون التجارية في Liminal Custody، أن التأخير في تبني هذه التقنيات يعني التنازل الطوعي عن الحصة السوقية المستقبلية. وأوضح أن الشركة تقدم ورش عمل وبرامج متخصصة لمساعدة المؤسسات المالية على بناء هذه البنية التحتية المتوافقة مع المعايير التنظيمية، مشيرًا إلى نجاح Liminal في نشر حلول عملية لإدارة الأصول الرقمية لدى مؤسسات مالية كبرى، اعتمادًا على منهجية ترتكز على الأمان والسرعة والكفاءة التشغيلية.
مستقبل مصرفي جديد قيد التشكّل
في المحصلة، يعكس تقرير Liminal Custody إدراكًا متقدمًا لحجم التحولات الجارية في القطاع المالي العالمي، ويقدم للبنوك خريطة طريق واضحة للانتقال من موقع المراقب إلى موقع الفاعل في اقتصاد الأصول الرقمية. ومع تسارع وتيرة الابتكار، تبدو المؤسسات التي تبادر بتبني نماذج تشغيل جديدة قائمة على الحوكمة والامتثال الرقمي، هي الأقدر على الحفاظ على تنافسيتها وبناء مستقبل مستدام في عالم مالي يتغير جذريًا.





