تشهد مصر تحولًا متسارعًا في توطين صناعة الإلكترونيات، في إطار تنفيذ مبادرة «مصر تصنع الإلكترونيات»، التي تستهدف تعميق التصنيع المحلي، وزيادة القيمة المضافة، وبناء قاعدة صناعية تكنولوجية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا. وقد انعكس هذا التوجه في مؤشرات قوية خلال عام 2025، شملت توسعًا في تصنيع الهواتف المحمولة، ونموًا ملحوظًا في قطاع تصميم الإلكترونيات، إلى جانب تطور الصناعات المغذية المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية.
ويأتي هذا التقدم في سياق استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل الاعتماد على الواردات، ودعم سلاسل الإمداد المحلية، وتوفير فرص عمل عالية المهارة في المجالات التكنولوجية المتقدمة.
توسع ملحوظ في تصنيع الهواتف المحمولة محليًا
في خطوة تعكس نجاح سياسات التوطين، ارتفع عدد مصنعي أجهزة الهواتف المحمولة في السوق المصري بعد دخول أربع علامات تجارية جديدة خلال عام 2025، ليصل إجمالي عدد العلامات التجارية المصنعة محليًا إلى 15 علامة. وتبلغ الطاقة الإنتاجية القصوى لهذه المصانع نحو 20 مليون وحدة سنويًا، بإجمالي استثمارات تُقدّر بحوالي 200 مليون دولار.
ويعكس هذا التوسع ثقة متزايدة من الشركات العالمية والمحلية في بيئة التصنيع المصرية، وقدرتها على استيعاب خطوط إنتاج متقدمة تخدم السوق المحلي وأسواق التصدير المحتملة.
قفزة في حجم الإنتاج والقيمة المضافة
شهدت صناعة الهواتف المحمولة المصنعة محليًا نموًا استثنائيًا، حيث تضاعف عدد الأجهزة المنتجة محليًا بنحو ثلاثة أضعاف خلال عام واحد. وارتفع الإنتاج من 3.3 مليون وحدة في عام 2024 إلى أكثر من 10 ملايين وحدة في عام 2025.
ولا يقتصر هذا النمو على زيادة الكميات فقط، بل شمل أيضًا تعميق المكون المحلي، حيث تجاوزت نسبة القيمة المضافة المحلية 40%، ما يعكس تطور الصناعات المغذية وزيادة الاعتماد على مكونات وخدمات محلية داخل منظومة التصنيع.
نمو مستدام في قطاع تصميم الإلكترونيات
حقق قطاع تصميم الإلكترونيات في مصر نموًا بنسبة 15%، مدفوعًا بتزايد الطلب على حلول الأنظمة المدمجة والتصميمات المتقدمة. وارتفع عدد الشركات العاملة في هذا المجال إلى 86 شركة محلية وعالمية، ما يعكس جاذبية السوق المصري كمركز إقليمي لخدمات التصميم الهندسي.
كما ارتفع عدد العاملين في مجالات تصميم الإلكترونيات والأنظمة المدمجة إلى نحو 10 آلاف مهندس متخصص، وهو ما يمثل ركيزة أساسية لبناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار والتطوير التقني.
الاستثمار في تنمية الكوادر البشرية
تُعد تنمية المهارات البشرية عنصرًا محوريًا في استراتيجية توطين صناعة الإلكترونيات. وخلال الفترة الماضية، تم تدريب نحو 6400 متدرب في مجال تصميم الإلكترونيات من خلال مجمعات إبداع الإلكترونيات ومعامل إبداع الإلكترونيات المنتشرة في عدد من المحافظات.
إلى جانب ذلك، جرى تدريب نحو 1300 متدرب إضافي بالشراكة مع شركات عالمية، بما يضمن مواءمة المهارات المحلية مع أحدث المعايير والتقنيات الدولية، ويعزز جاهزية الكوادر المصرية للعمل في مشروعات تكنولوجية متقدمة.
دعم الشركات الناشئة والبحث والتطوير
في إطار دعم منظومة الابتكار، تم تمكين 57 شركة ناشئة متخصصة في مجالات تصميم الإلكترونيات وأشباه الموصلات، إلى جانب دعم 100 مشروع تخرج لطلاب الجامعات، بما يسهم في ربط البحث الأكاديمي باحتياجات الصناعة.
كما تم تمويل خمسة مشروعات بحثية متخصصة في مجالات تصميم الإلكترونيات وأشباه الموصلات، في خطوة تهدف إلى تعزيز البحث والتطوير وخلق حلول تكنولوجية محلية قابلة للتطبيق التجاري.
تطور صناعة كابلات الألياف الضوئية
امتد التوسع في توطين صناعة الإلكترونيات ليشمل الصناعات المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية، حيث ارتفع عدد مصنعي كابلات الألياف الضوئية في مصر بعد دخول علامة تجارية جديدة خلال عام 2025. وبذلك، يصل عدد العلامات التجارية العالمية والمحلية التي تقوم بتصنيع هذه الكابلات داخل السوق المصري إلى أربع علامات.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية لهذه المصانع نحو أربعة ملايين كيلومتر سنويًا، ما يدعم خطط التوسع في شبكات الاتصالات، ويعزز قدرة مصر على تلبية الطلب المحلي والمشاركة في مشروعات إقليمية كبرى.
انعكاسات اقتصادية وصناعية إيجابية
يعكس هذا التقدم في توطين صناعة الإلكترونيات نتائج ملموسة على الاقتصاد المصري، من خلال زيادة الاستثمارات المباشرة، وتوفير فرص عمل نوعية، وتعزيز الصادرات التكنولوجية المحتملة. كما يسهم في تقليل فجوة الاستيراد، وتحسين ميزان المدفوعات على المدى المتوسط.
ويؤكد هذا المسار أن مبادرة «مصر تصنع الإلكترونيات» تمثل نموذجًا عمليًا لربط السياسات الصناعية بالتنمية التكنولوجية، بما يدعم بناء قاعدة صناعية حديثة قادرة على مواكبة التحولات العالمية في قطاع الإلكترونيات والتقنيات المتقدمة.





