في وقت تفرض فيه الأزمات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية تحديات متزايدة على منظومة الغذاء، تواصل الدولة المصرية تنفيذ استراتيجية شاملة تستهدف تعزيز الأمن الغذائي باعتباره أحد أهم ركائز الأمن الاقتصادي، وذلك من خلال نموذج متكامل يقوده جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بالتعاون مع وزارتي الزراعة واستصلاح الأراضي والتموين والتجارة الداخلية.
وتقوم هذه المنظومة على إدارة دورة الغذاء بشكل متكامل، بداية من الإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي، مرورًا بالتصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى توزيع السلع للمواطنين، بما يضمن استقرار الأسواق وتأمين احتياجات الدولة من السلع الاستراتيجية.
أكبر خطة للتوسع الزراعي في تاريخ مصر
يمثل التوسع الزراعي حجر الأساس في استراتيجية جهاز مستقبل مصر، حيث يقود برنامجًا يستهدف استصلاح واستزراع نحو 4.5 مليون فدان، بما يعزز إنتاج المحاصيل الاستراتيجية وعلى رأسها القمح، إلى جانب التوسع في زراعة بنجر السكر والذرة والمحاصيل الزيتية، الأمر الذي يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد ودعم الاكتفاء الذاتي.
ويعتمد الجهاز على أحدث تقنيات الري والميكنة الزراعية والتكنولوجيا الحديثة، بما يرفع إنتاجية الفدان ويحسن كفاءة استخدام الموارد المائية، ويضمن استدامة الإنتاج الزراعي لمواكبة الطلب المتزايد على الغذاء.
تنويع الإنتاج لتعزيز الأمن الغذائي
ولا تقتصر جهود الجهاز على الزراعة فقط، بل تمتد إلى تنمية قطاعات الثروة الحيوانية والداجنة والسمكية ضمن منظومة إنتاجية متكاملة.
ويدير الجهاز خمس مزارع متخصصة لتسمين الماشية بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 180 ألف رأس سنويًا، إلى جانب منظومة متكاملة للإنتاج الداجني، فضلًا عن أحد أكبر مشروعات إنتاج البيض الخالي من مسببات الأمراض (SPF) في الشرق الأوسط، والذي يمثل عنصرًا مهمًا في دعم صناعة اللقاحات والبحوث الطبية والبيطرية.
كما يواصل تنفيذ خطة لتطوير البحيرات المصرية، تشمل بحيرات المنزلة والبردويل وناصر، بالتوازي مع التوسع في مشروعات الاستزراع السمكي، بما يسهم في زيادة الإنتاج وتحقيق الاستدامة البيئية.
صوامع عملاقة ومخزون استراتيجي لحماية الأسواق
وتولي الدولة اهتمامًا كبيرًا بتطوير منظومة التخزين الاستراتيجي، حيث أنشأ جهاز مستقبل مصر أكبر مجمع للصوامع في الشرق الأوسط داخل مشروع الدلتا الجديدة، إلى جانب شبكة من المخازن الاستراتيجية وثلاجات التبريد، لترتفع الطاقة التخزينية إلى نحو 600 ألف طن.
وتمثل هذه المنظومة عنصرًا رئيسيًا في الحفاظ على جودة المحاصيل، وتقليل الفاقد، وتعزيز قدرة الدولة على تكوين مخزون استراتيجي يضمن استقرار الإمدادات الغذائية في مختلف الظروف.
الشراء الموحد وسلاسل الإمداد
ويعتمد الجهاز على نظام الشراء الموحد لتأمين احتياجات الدولة من السلع الاستراتيجية، عبر متابعة الأسواق العالمية وتنويع مصادر الاستيراد والتخطيط المسبق لعمليات التعاقد، بما يحقق أفضل الأسعار ويضمن استمرار تدفق السلع دون تأثر بالتقلبات الدولية.
كما يعتمد على قواعد بيانات وتحليلات متطورة لرصد حركة الأسواق العالمية وتقييم المخاطر، بما يدعم اتخاذ قرارات استباقية تحافظ على استقرار السوق المحلية.
مركز سفنكس.. منصة إقليمية لتداول المحاصيل
وفي إطار تطوير التجارة الزراعية، أنشأ الجهاز مركز “سفنكس” لتداول المحاصيل، الذي يعد من أكبر المراكز المتخصصة في الشرق الأوسط بطاقة تداول وتخزين تصل إلى 20 مليون طن سنويًا.
ويضم المركز بورصة سلعية ومحطات للفرز والتعبئة والتغليف ومخازن وثلاجات حديثة، بما يعزز الشفافية في تسعير السلع، ويخفض تكاليف التداول، ويربط المنتجين بالمصنعين والتجار والمصدرين.
“سوبر توفير”.. وصول مباشر للمستهلك
وتتكامل المنظومة مع شبكة “سوبر توفير” التي تضم نحو 1500 منفذ موزعة على مختلف المحافظات، وتعمل على توفير السلع الأساسية بصورة منتظمة وربطها مباشرة بمناطق الإنتاج، ما يسهم في تقليل حلقات التداول وخفض تكاليف النقل، ويضمن وصول المنتجات للمواطنين بجودة مناسبة وأسعار مستقرة.
الأمن الغذائي بوابة لتعزيز الأمن الاقتصادي
ويعكس النموذج الذي يديره جهاز مستقبل مصر تحولًا في مفهوم الأمن الغذائي، فلم يعد الهدف يقتصر على زيادة الإنتاج، بل أصبح يشمل بناء منظومة اقتصادية متكاملة تضم الإنتاج والتصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية والتوزيع، بما يعزز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات العالمية، ويحافظ على استقرار الأسواق، ويدعم جهود التنمية المستدامة، ليصبح الأمن الغذائي أحد أهم مرتكزات الأمن الاقتصادي في مصر.




