“أنا الآن في الثالثة والخمسين من عمري، وما زالت آثاره تلازمني.”بهذه الشهادة المؤلمة بدأت إحدى الجدّات السودانيات المقيمات في القاهرة حديثها ضمن دراسة أعدّتها Equality Now “المساواة الآن” بالتعاون مع مؤسسة تدوين لدراسات النوع الاجتماعي، بعنوان: “تشويه الأعضاء التناسلية للإناث بين المهاجرين السودانيين في القاهرة الكبرى: التصورات والاتجاهات“. هذه الدراسة لا توثق فقط انتشار هذه الممارسة، بل تكشف أيضاً الشروخ العميقة والخفية التي تخلّفها عبر الأجيال، والحدود، و المعتقدات.
الصراع والنزوح يعيدان تشكيل المواقف من ختان الإناث
تقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من أربعة ملايين شخص قد فرّوا من السودان منذ اندلاع الحرب الأهلية المدمّرة في عام 2023، إلى جانب نحو 10.5 مليون نازح داخلياً. غالبية المتأثرين من النساء والأطفال، الذين يواجهون أخطاراً مضاعفة، ليس فقط بسبب العنف الناتج عن الصراع، بل أيضاً نتيجة انهيار شبكات الحماية الاجتماعية وتدهور نظم الرعاية الصحية.
يبقى السؤال الأهم: ماذا سيحدث لتشويه الأعضاء التناسلية للإناث عندما تعود العائلات إلى السودان؟
الإجابة الصادقة هي أننا لا نعلم بعد.
لكن ما نعلمه يقيناً هو أن علينا التحرّك الآن لتغيير نظرة الناس إلى هذه الممارسة الضارة المتجذّرة.
إذ يعيد الصراع والنزوح تشكيل الظروف التي ينظر من خلالها إلى التقاليد الضارة مثل تشويه الأعضاء التناسلية للإناث والمعروف بختان الإناث، سواء من حيث قبولها أو التشكيك فيها أو إعادة ترسيخها بين المجتمعات النازحة وفي أوضاع العودة الهشّة. وتُعدّ هذه لحظة نادرة لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل لإعادة تشكيل الأعراف الاجتماعية، لأن فترات عدم الاستقرار تحمل في طياتها فرصاً كما تحمل مخاطر. ففي حين قد تؤدي الأزمات إلى تفاقم الممارسات الضارة، إلا أنها تفتح أيضاً المجال لمواجهتها، مما يوفّر إمكانية حقيقية لتغيير مسار واحد من أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً والذي لا يزال يُمارس على ملايين الفتيات حول العالم.
الهجرة تقوّض الأساس الذي يقوم عليه ختان الإناث داخل مجتمع السودانيين في القاهرة
أظهرت دراستنا في منطقة القاهرة الكبرى أن النزوح قد زعزع الأسس التي كانت تدعم ختان الإناث.فقد تفكّكت الشبكات الاجتماعية، وتراجعت سطوة النساء الأكبر سناً اللواتي كنّ يوماً ما من أقوى المروّجات للممارسة. والمثير أن كثيراً منهن أصبحن الآن من أبرز المعارضات لها.
قالت إحدى النساء: “كنت أؤمن بها من قبل. أما الآن، فلن أسمح لحفيدتي أن تمرّ بما مررت به.”
بالنسبة للعديد من المشاركات، وخصوصاً الشابات والمثقفات، لم يعد ختان الإناث يُنظر إليه على أنه طقس ضروري للبلوغ، بل كخيانة ، جرح لا مبرر له، محاط بأساطير الطهارة والطاعة. وتحدث الأزواج أيضاً عن الأضرار التي تسبب بها ختان الإناث لزيجاتهم، من تقويض للثقة إلى تدمير للعلاقة الحميمة.
كشفت المقابلات المعمّقة كيف أن النزوح قد أعاد ترتيب الأولويات. فعندما تكافح الأسر من أجل تأمين الغذاء والسكن والرعاية الصحية والتعليم، يصبح من الصعب تبرير تخصيص الموارد للإبقاء على تقاليد ضارة مثل ختان الإناث.عامل مهم آخر هو وجود قوانين صارمة في مصر ضد ختان الإناث، وهو ما يشكّل رادعاً قوياً لأولئك الذين يخشون الملاحقة القانونية.
ومع ذلك، أظهرت الدراسة وجود نقص واسع النطاق في وعي المهاجرين السودانيين بتشريعات مصر التي تجرّم ختان الإناث، ما يثير القلق بشأن المساءلة، خصوصاً إذا أُخضعت الفتيات لهذه الممارسة دون معرفة بالعواقب القانونية المترتبة عليها. ومن دون توعية قانونية موجّهة، تصبح العائلات عرضة للتجريم بدلاً من الحصول على الدعم. وهذا يوضح الحاجة الملحّة إلى حملات توعوية سهلة الوصول وحساسة ثقافياً لتعريف المجتمعات بالقوانين المحلية.
النساء والفتيات العائدات إلى السودان يواجهن خطراً متزايداً
الواقع القاسي في السودان يهدد التقدّم الهش نحو التخلي عن ختان الإناث. فالحرب دمّرت البنية التحتية الصحية في البلاد، وأعادت عقوداً من التقدّم في مجال المساواة بين الجنسين إلى الوراء. وهذه ليست أزمة إنسانية فحسب، بل أزمة ناتجة عن النوع الاجتماعي أيضاً، وبالنسبة للنساء والفتيات العائدات إلى السودان، قد تعني العودة إلى خطر أكبر.
الإطار القانوني الذي ينظّم ختان الإناث في السودان متذبذب وهش. فقد تم تعديل القانون الجنائي في عام 2020 لتجريم هذه الممارسة على المستوى الوطني، لكن تنفيذ هذا القانون لا يزال ضعيفاً وغير فعّال.
وفي مناطق النزاع، حيث انهارت أنظمة العدالة الرسمية، غالباً ما تحلّ الهياكل التقليدية محلها، وهي نفس المساحات غير الرسمية التي ازدهرت فيها ممارسة ختان الإناث تاريخياً.
هناك خطر حقيقي في أن تجد النساء والعائلات العائدة الأعراف القديمة بانتظارهن. ومن دون توفير دعم يراعي السياق الثقافي ويركّز على احتياجات الناجيات، إلى جانب فتح باب الحوار المجتمعي، قد تشعر كثيرات بأن عليهن الامتثال من جديد. وهذا قد يؤدي إلى عودة انتشار ختان الإناث حتى بين من بدأن في معارضته خلال فترة النزوح.
لحظة فاصلة في مسار حقوق الإنسان
توفّر هذه الدراسة لمحة عن المواقف من ختان الإناث في أوساط الجاليات السودانية في الخارج، لكنها أيضاً تحذير ودعوة للعمل. فالصدمة الناتجة عن ختان الإناث لا تتوقف عند الحدود وكذلك المقاومة.
لقد كشفت الهجرة عن حقائق طال إخفاؤها في السودان: مثل أن ختان الإناث لا علاقة له بالدين، وليس ضرورياً، ولا يعد ممارسة بريئة. إنه لا يؤذي الأجساد فقط، بل يُدمّر العلاقات ويقوّض الثقة ويهدر الاستقلالية.
لكن التغيير ممكن ،حتى ولو جاء متأخراً.
لا تزال هناك مفاهيم خاطئة منتشرة على نطاق واسع تُصوّر أن النوع الأول من ختان الإناث (القطع الطفيف)غير ضار أو ضروري، وهو ما يعزّز الأسطورة الخطيرة بأن بعض أشكال الختان مقبولة وأقل ضرراً.
ورغم أن النوع الثالث يُعتبر الأخطر، إلا أن الأضرار الجسدية والنفسية الحقيقية الناتجة عن النوعين الأول والثاني غالباً ما يُقلّل من شأنها بسبب المعتقدات الثقافية والدينية، وذلك لتبرير استمرار هذه الممارسة.
يضاف إلى ذلك الانتشار المتزايد “لتطبيب” الختان، أي ممارسته على يد مختصين صحيين، مما يخلق شعوراً زائفاً بالأمان، ويُرسّخ الاعتقاد الخاطئ بأن بعض أشكال الختان “آمنة”.
هذه لحظة مفصلية في معركة حقوق الإنسان، لا ينبغي أن نهدرها.
ختان الإناث ليس إرثاً ثقافياً ينبغي الحفاظ عليه، ولا أذى “أخف” يمكن تجاهله في الأزمات. إنه انتهاك صارخ لحق الفتاة في سلامة جسدها وصحتها وكرامتها. وهذه الحقوق لا تختفي مع النزوح، ولا تُعلّق في الحرب، ويجب ألا تُنسى عند وضع سياسات العودة وإعادة الاندماج.
الطريق إلى الأمام: استراتيجية إقليمية قائمة على الأمل والعدالة
فماذا يجب أن نفعل؟
أولاً، ينبغي أن تتضمن خطط إعادة دمج العائدين السودانيين معالجة صريحة لقضية ختان الإناث، من خلال آليات حماية للفتيات، ودعم نفسي اجتماعي للناجيات، وتوعية مجتمعية تستهدف المؤثرين، خصوصاً من النساء الأكبر سناً القادرات على تغيير الأعراف من الداخل.
ثانياً، يجب على الهيئات الإقليمية والجهات المانحة أن تضمن عدم تجميد أو تجاهل جهود مكافحة ختان الإناث خلال فترات الصراع أو ما بعدها.
ينبغي التعامل مع ختان الإناث بنفس الجدية التي تُمنح لأشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي الأخرى، بما في ذلك إدماجه في حملات التوعية، والحوار المجتمعي، وآليات المساءلة حتى ضمن الاستجابات الإنسانية الطارئة.
ثالثاً، يجب دعم منظمات المجتمع المدني النسوية السودانية، سواء في المنفى أو داخل السودان، فهي رغم قلة تمويلها وتعرضها للمخاطر، تتمتع بقدرة فريدة على مخاطبة مختلف الأجيال والبيئات، وتمثل الجسر بين المقاومة في الخارج والإصلاح في الداخل.
وأخيراً، علينا تفكيك أسطورة “القطع الأخف”. سواء أُطلق عليه “السُنة” أو جرى “تطبيبه”، فإن كل شكل من أشكال الختان هو انتهاك.
فكرة أن الضرر يمكن تبريره إذا كان الألم أقل، هي خرافة خطيرة تُخفي استمرار هذه الممارسة خلف الكلمات.
أي إرث سنتركه وراءنا؟
أصوات النساء في تقرير Equality Now ومؤسسة تدوين لدراسات النوع الإجتماعى شجاعة، تُذكّرنا بأنه لا سياسة ولا قانون ولا حدود يمكن أن تُغني عن الحقيقة الواضحة. وتدفعنا لنسأل: أي إرث سنتركه للجيل القادم من الفتيات السودانيات ؟
هل سنسمح للحرب والنزوح أن يوقفا التقدم؟
أم سنرى في هذا الانقطاع النادر فرصة لإعادة كتابة قصة الطفلة والمرأة في المجتمعات السودانية؟
النساء في هذا التقرير قد أجبن والآن، جاء دورنا لنستمع ونتحرّك.
عن الكاتبة:
باليكي أيانغ هي مدافعة عن حقوق الإنسان تعمل على الدمج بين قضايا حقوق النساء، والإصلاح القانوني وتمكين الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. تقود جهود المناصرة الإقليمية لدى Equality Now، وتدعم الشابات والشركاء المحليين لإحداث تأثير في منصات المساءلة الوطنية والدولية.









