لم يعد من الطبيعي أن تُختطف شبكات الاتصالات الصوتية في بلد بالكامل من قِبل المحتالين والمسوّقين، إلى درجة جعلها شبه غير قابلة للاستخدام. ومع ذلك، بات هذا الوضع مألوفًا في الولايات المتحدة، حيث اعتاد المواطنون تجاهل المكالمات الهاتفية بعد أن أصبحت غارقة في الاتصالات المزعجة والمخادعة.
فقد تلقى الأمريكيون منذ بداية العام أكثر من 4.1 مليار مكالمة آلية (Robocalls)، أي ما يقارب 135 مليون مكالمة يوميًا. ووفقًا لاستطلاع أجرته شركة Talker Research على 10,500 شخص من البالغين، يتعرض الأمريكيون لعدد من المكالمات والرسائل الاحتيالية يعادل ضعف ما يتلقاه سكان أي دولة أخرى، بل وأكثر من تلك التي تطبق قوانين فعالة لحماية المستهلك وتملك هيئات تنظيمية فاعلة.
الشباب في دائرة الاستهداف
أظهر دراسة مشتركة صادرة عن Consumer Reports وAspen Digital والتحالف العالمي للأمن السيبراني (Global Cyber Alliance) زيادة حادة في عمليات الاحتيال عبر الرسائل النصية خلال العام الماضي، لا سيما بين الفئة العمرية من 18 إلى 29 عامًا.
وقالت يايل غراور، مديرة البرامج في Consumer Reports: “الهجمات السيبرانية والاحتيالات الرقمية ما تزال تُسبب أضرارًا خطيرة للمستهلكين الأمريكيين، وغالبًا ما تكون ذات عواقب مدمرة. على الحكومة والصناعة أن تبذلا المزيد لحماية خصوصية وأمن المستهلكين، خصوصًا مع محدودية موارد الهيئات الفيدرالية، ما يجعل تمكين المستهلكين من تبني ممارسات قوية للأمن السيبراني أمرًا أكثر أهمية من أي وقت مضى.”
تفكيك ممنهج للمنظومة التنظيمية
يشير التقرير إلى أن إدارة ترامب والمحاكم المتطرفة التابعة لها قامت عمليًا بـ”شلّ” الدولة التنظيمية الأمريكية، مما جعل من الصعب – أو المستحيل – إقرار أي قوانين جديدة لحماية المستهلك أو حتى تطبيق القوانين الحالية. كما أن لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) لم تكن فعالة أصلًا في مكافحة المكالمات الآلية.
أما رئيس اللجنة السابق بريندان كار فقد أطلق مبادرة تحت عنوان “Delete, Delete, Delete” تهدف، بحسب زعمه، إلى تحسين كفاءة الحكومة، لكنها عمليًا أضعفت صلاحيات اللجنة في حماية المستهلك، وأزالت قواعد كانت تسهّل على الأمريكيين إلغاء الاشتراك في الاتصالات غير المرغوب فيها.
الشركات المستفيدة من الفوضى
يلفت التقرير إلى أن جزءًا كبيرًا من مكالمات الاحتيال يعود إلى شركات الاتصالات الكبرى التي تتجاهل الأنشطة الاحتيالية لأنها تحقق منها أرباحًا مباشرة، بينما تُسهم السياسات الحالية في جعل محاسبتها شبه مستحيلة. والأسوأ أن هذه الممارسات تُنفذ الآن في ظل تراجع الشفافية والمشاركة العامة في عملية صنع القرار.
فساد ممنهج يهدد الأمن الرقمي
يحذر التقرير من أن الأزمة مرشحة للتفاقم بشكل كبير، نتيجة “تحالف غير مقدس بين السلطوية وقوة الشركات”، تقوده حركة “شعبوية زائفة” تسعى لتفكيك آخر ما تبقّى من منظومة حماية المستهلك الأمريكي.
ويؤكد أن معالجة مشكلة المكالمات والرسائل الاحتيالية لن تكون ممكنة دون إصلاحات شاملة تمسّ الفساد السياسي، وتمويل الحملات الانتخابية، ولوائح الضغط السياسي، والنظام القانوني — وهي إصلاحات لا يُتوقع أن تتحقق في ظل الإدارة الحالية وهيئاتها التنظيمية المتواطئة مع قطاع الاتصالات.





