شهدت أسواق المال المصرية خلال الفترة الأخيرة تحولات لافتة أعادت الثقة تدريجياً إلى المستثمرين، خاصة بعد 18 شهراً من التغيرات الاقتصادية والهيكلية التي أثرت على حركة الاستثمار.
هذا المشهد كان محور نقاش موسع خلال جلسة «صفقات جاذبة.. وطروحات مرتقبة»، ضمن فعاليات القمة السنوية التاسعة لأسواق المال، التي انعقدت تحت عنوان «التكنولوجيا المالية: الطريق إلى الشمول الاستثماري».
عودة المستثمر الأجنبي وتغير خريطة الأسواق
أكد المهندس علاء سبع، الشريك المؤسس لشركة بي بي أي بارتنيرز، أن السوق المصري شهد خلال الأشهر الماضية عودة ملحوظة للمستثمرين الأجانب، بعد فترة من الحذر والترقب.
وأوضح أن الطروحات السابقة كانت تعتمد بشكل متوازن تقريباً على مستثمرين من أوروبا وأمريكا وإنجلترا بنسبة 50%، مقابل 50% من دول الخليج، إلا أن المرحلة الحالية تشهد تنوعاً أكبر بدخول أسواق جديدة مثل جنوب أفريقيا، وهو ما يعكس تغيراً في شهية الاستثمار ونظرة أكثر إيجابية للسوق المصري.
وأشار سبع إلى أن هذا التحول يعكس مستوى أعلى من الثقة في قدرة السوق على استيعاب الاستثمارات، خاصة مع تحسن المؤشرات الاقتصادية واستقرار السياسات النقدية نسبياً.
تحول دور الأفراد في قيادة التداول
من جانبه، لفت أحمد أبو زيد، رئيس مجلس إدارة شركات أب تاون 6 أكتوبر، إلى أن الصناديق الاستثمارية الكبيرة كانت في السابق المحرك الأساسي للسوق، إلا أن المشهد الحالي أصبح أكثر تنوعاً.
وأوضح أن التداولات باتت تميل بشكل واضح لصالح المستثمرين الأفراد مقارنة بالمؤسسات، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المشاركين في السوق وزيادة الوعي الاستثماري.
وأكد أبو زيد أن السوق يسير في اتجاه إيجابي، مع وجود شركات تمتلك قيمة حقيقية لم تنعكس بعد بشكل كامل على تقييماتها السوقية، ما يفتح المجال أمام فرص نمو مستقبلية، خاصة في ظل ارتفاع مشاركة الأفراد.
الصناديق العقارية ودورها في تنشيط السوق
وفي سياق متصل، أوضح محمد نجم، العضو المنتدب للشركة العربية لحليج الأقطان، أن الاستثمار في الصناديق العقارية يشهد نمواً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة.
وأشار إلى أن السوق سجل ارتفاعات تصل إلى نحو 40%، وهو ما يعد مؤشراً إيجابياً يعزز فرص التوسع وزيادة الإقبال على هذا النوع من الاستثمارات، خاصة في ظل بحث المستثمرين عن أدوات تحقق عوائد مستقرة وتنويع المحافظ الاستثمارية.
ديمقراطية الاستثمار والتكنولوجيا المالية
بدوره، أكد إيهاب رشاد، نائب رئيس مجلس إدارة شركة مباشر كابيتال، أن السوق المصري يشهد حالياً ما يمكن وصفه بـ«ديمقراطية الاستثمار».
وأوضح أن التطور التكنولوجي وظهور التطبيقات الرقمية ساهما في تسهيل وصول المستثمرين إلى البورصة المصرية، سواء للاكتتاب أو التداول، ما خفض الحواجز التقليدية أمام الاستثمار.
وأشار رشاد إلى أن التشريعات الداعمة، وعلى رأسها خفض سن المستثمر إلى 15 عاماً، أسهمت في خلق جيل جديد من المستثمرين، تتراوح أعمارهم حالياً حول 35 عاماً، ويتمتعون بقدرة أكبر على استخدام الأدوات الرقمية داخل مصر وخارجها، بما يعزز عمق السوق وسيولته.
تغيرات هيكلية واهتمام متزايد من المستثمرين
من جانبه، قال محمد محجوب، الشريك المؤسس والعضو المنتدب لشركة تنمية كابيتال فينتشرز TCV، إن السوق يشهد تغيرات جوهرية لم يكن من الممكن ظهورها في ظل وجود تحديات حادة في سعر صرف الدولار.
وأكد أن اهتمام المستثمرين الأجانب بالاستثمار في السوق المصري عاد بقوة، لافتاً إلى أن شركته تمتلك محفظة استثمارية تصل إلى نحو 100 مليون دولار، موجهة لقطاعات التعليم، والتعليم العالي، وتصدير الخدمات، وغيرها من المجالات الواعدة.
توقيت حاسم لعودة الصفقات والطروحات
يأتي تنظيم هذه الجلسة في توقيت يشهد إعادة تموضع واضحة لأسواق المال، مع عودة تدريجية للزخم الاستثماري وارتفاع وتيرة الحديث عن صفقات استحواذ جاذبة وطروحات جديدة.
ويتزامن ذلك مع تحسن نسبي في المؤشرات الاقتصادية وتغير في شهية المستثمرين، إلى جانب نضوج قرارات الشركات بشأن التوسع أو الطرح في البورصة.
محاور أساسية للنقاش وتحديات قائمة
ناقشت الجلسة عدداً من المحاور الرئيسية، من بينها أثر استقرار سوق الصرف على قرارات الاستحواذ، والفروق بين الصفقات الدفاعية والتوسعية داخل السوق المصري، إضافة إلى المقارنة بين الطروحات الحكومية والخاصة من حيث التأثير على السيولة وثقة المستثمرين.
كما طُرحت تساؤلات جوهرية حول كيفية تحسين تقييمات الشركات المصرية لتصبح أكثر جاذبية، وأسباب عودة نافذة الطروحات إلى الواجهة، ودور الطروحات الجديدة في تعزيز السيولة وترسيخ الثقة داخل السوق.
نظرة مستقبلية
تعكس هذه المناقشات حالة من التفاؤل الحذر تجاه مستقبل أسواق المال المصرية، في ظل مزيج من الإصلاحات الاقتصادية، والتطور التكنولوجي، وتوسع قاعدة المستثمرين.
ومع استمرار الحديث عن صفقات وطروحات مرتقبة، يبدو أن السوق مقبل على مرحلة أكثر نضجاً وتنوعاً، قد تعيد له دوره المحوري في جذب الاستثمارات ودعم النمو الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.