حذر المهندس هيثم منصور، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «تحوت» للاستشارات ومستشار التطوير المؤسسي وريادة الأعمال، من اعتماد الشركات على الحدس والانطباعات الشخصية عند اتخاذ قرارات التوسع الإقليمي، مؤكدًا أن النجاح في السوق المحلية لا يمثل وحده دليلًا على جاهزية الشركة لدخول أسواق جديدة.
حذر المهندس هيثم منصور، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «تحوت» للاستشارات ومستشار التطوير المؤسسي وريادة الأعمال، من اعتماد الشركات على الحدس والانطباعات الشخصية عند اتخاذ قرارات التوسع الإقليمي، مؤكدًا أن النجاح في السوق المحلية لا يمثل وحده دليلًا على جاهزية الشركة لدخول أسواق جديدة.
وقال منصور، خلال ويبينار نظمته شركة «تحوت» بمشاركة 50 رائد أعمال، إن «التوسع الذي يُبنى على الإحساس قد يتحول إلى مقامرة بفلوس ومستقبل الشركة»، موضحًا أن الحدس قد يكون مفيدًا في المراحل الأولى من تأسيس الشركات الناشئة، لكنه لا يمكن أن يحل محل البيانات عندما ترتبط القرارات باستثمارات كبيرة وأسواق جديدة وتعقيدات تشغيلية متزايدة.
البيانات الموحدة شرط للتوسع الإقليمي
وأوضح مستشار التطوير المؤسسي أن أول سؤال يطرحه على أي رئيس تنفيذي يستعد للتوسع من دولة إلى أخرى هو: «أين لوحة المعلومات التي تبني عليها قراراتك؟».
وأشار إلى أن غياب لوحة موحدة وفورية للبيانات يكشف في كثير من الأحيان عن مشكلة أعمق داخل المؤسسة، تتمثل في انفصال الإدارات عن بعضها وعدم وجود مصدر موحد للمعلومات.
وقال منصور إن العديد من الشركات تعمل من خلال ما وصفه بـ«الجزر المنعزلة»، حيث تمتلك إدارة المبيعات بياناتها الخاصة، بينما تعتمد العمليات على تقارير منفصلة، في حين تقوم الإدارة المالية بإغلاق حسابات فترات سابقة، من دون وجود مصدر موحد للحقيقة يمكن للإدارة التنفيذية الاعتماد عليه.
وأوضح أن هذا الوضع قد يؤدي إلى تناقضات في قراءة أداء الشركة؛ فقد تحتفل إدارة المبيعات بتحقيق المستهدفات، في الوقت الذي تواجه فيه إدارة التشغيل صعوبات في تنفيذ الطلبات، بينما تعاني الإدارة المالية من ضغوط السيولة والمرتجعات.
تجربة Target تكشف مخاطر التوسع دون جاهزية
واستشهد هيثم منصور بتجربة سلسلة متاجر Target الأمريكية خلال توسعها في السوق الكندية عام 2013، باعتبارها نموذجًا للمخاطر التي قد تواجه الشركات عند دخول سوق جديد دون جاهزية تشغيلية وبيانات متكاملة.
وأوضح أن Target افتتحت 133 متجرًا في كندا خلال فترة زمنية قصيرة، قبل أن تنسحب من السوق وتغلق متاجرها بعد أقل من عامين، مع خسائر تجاوزت ملياري دولار وفق ما أورده خلال عرضه.
وأشار منصور إلى أن من أبرز الدروس المرتبطة بالتجربة مشكلات البيانات وسلاسل الإمداد وعدم التكامل بين الأنظمة، موضحًا أن الاختلافات في تسجيل بيانات المنتجات ووحدات القياس بين الأنظمة ساهمت في ظهور مشكلات تشغيلية انعكست على توافر المنتجات داخل المتاجر.
وقال: «الاسم التجاري لا يعبر الحدود بمفرده، وإنما الذي يعبر الحدود فعليًا هو البنية التحتية للبيانات ونموذج التشغيل».
من القاهرة إلى الرياض.. المبيعات لا تكفي لقياس النجاح
وتطرق منصور إلى واقع الشركات التي تتوسع بين مصر والأسواق الخليجية، موضحًا أن تحقيق مبيعات مرتفعة في سوق جديد لا يعني بالضرورة تحقيق أرباح.
وأشار إلى أن الإدارة قد تحتفل بتحقيق مبيعات بقيمة مليون ريال في السوق السعودية، بينما لا تمتلك في الوقت نفسه بيانات واضحة عن تكلفة الاستحواذ على العميل، ومعدلات المرتجعات، وتكلفة التشغيل.
وأكد أن ارتفاع الإيرادات لا يعكس بالضرورة جودة النمو إذا كانت تكلفة تحقيق هذه الإيرادات أعلى من العائد المحقق.
وأضاف أن الإدارة التقليدية غالبًا ما تعتمد على تقارير توضح ما حدث بالفعل، بينما تحتاج المؤسسات التي تستهدف النمو والتوسع إلى أنظمة قادرة على تحليل البيانات الحالية والتنبؤ بالمخاطر والاختناقات المستقبلية.
وقال إن لوحة المعلومات التنفيذية الموحدة يمكن أن تربط بيانات المبيعات والمخزون والمالية في الوقت الفعلي، بما يساعد الإدارة على رصد مؤشرات مبكرة لاحتمالات نقص السيولة أو اختناقات سلسلة الإمداد قبل تحولها إلى أزمات فعلية.
3 قواعد لبناء مؤسسة موجهة بالبيانات
وحدد هيثم منصور 3 قواعد رئيسية لبناء مؤسسة تعتمد على البيانات في اتخاذ قراراتها.
أولًا: تقليل الاعتماد على التقارير اليدوية.
وشدد على أهمية تكامل أنظمة إدارة علاقات العملاء والموارد المؤسسية والموارد البشرية وربطها بمصدر موحد للبيانات.
ثانيًا: التركيز على مؤشرات الأداء الرئيسية.
وأوضح أن الرئيس التنفيذي لا يحتاج إلى متابعة مئات المؤشرات، وإنما إلى مجموعة محدودة من الأرقام الحيوية، مثل تكلفة الاستحواذ على العميل، والقيمة الدائمة للعميل، ومعدل الحرق المالي، وسرعة تنفيذ الطلبات.
ثالثًا: استخدام البيانات لاتخاذ القرار.
وأكد ضرورة التعامل مع البيانات باعتبارها أداة لاتخاذ القرار وليس وسيلة لتأكيد وجهة نظر الإدارة، مع عدم السماح للاعتبارات الشخصية أو الصورة الذهنية بالتغلب على المؤشرات الفعلية لأداء السوق أو الفرع.
البيانات أساس قرارات التوسع
وأكد منصور أن المؤسسة الموجهة بالبيانات لا تعني إغراق الإدارة بمئات المؤشرات، وإنما توفير مصدر موحد وموثوق للحقيقة يساعد القيادات على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة.
وشدد على أن قرار التوسع في سوق جديد يجب أن يسبقه سؤال جوهري: هل قراراتنا مبنية على أرقام حقيقية ومتكاملة، أم على خبرة سابقة قد لا تنطبق على السوق الجديد؟
وقال: «البيانات هي لغة القيادة التي لا تجامل»، مؤكدًا أن بناء البنية المؤسسية القادرة على قراءة البيانات وتحويلها إلى قرارات يمثل أحد الشروط الأساسية لنجاح الشركات في التوسع الإقليمي.





