توقّع البنك الدولي استمرار تسجيل عجز مرتفع في الميزانية السعودية خلال العامين المقبلين، مدفوعًا بتزايد الاقتراض لتمويل سياسة الإنفاق التوسعي، بالتزامن مع تراجع إيرادات تصدير النفط نتيجة انخفاض الأسعار العالمية. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المملكة زخمًا اقتصاديًا متجددًا، مدعومًا بنمو النشاطين النفطي وغير النفطي، ضمن مسار التحول الاقتصادي الذي تقوده رؤية السعودية 2030.
رفع توقعات نمو الاقتصاد السعودي في 2025
وفقًا لأحدث تقرير صادر عن البنك الدولي حول مستجدات اقتصادات دول الخليج، رفع البنك توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي خلال عام 2025 إلى 3.8%، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 3.2% في تقرير أكتوبر الماضي. ويعكس هذا التعديل الإيجابي تحسن الأداء الاقتصادي الكلي، إلى جانب تعافي الأنشطة النفطية واستمرار نمو القطاعات غير النفطية.
وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد السعودي يشهد زخمًا متجددًا بدعم من الإصلاحات الهيكلية المستمرة، فضلًا عن تحديث لوائح الملكية الأجنبية، ما يعزز جاذبية البيئة الاستثمارية ويُسهم في استقطاب رؤوس أموال محلية وأجنبية إضافية.
عجز مالي مستمر حتى 2027 رغم النمو
على الرغم من تحسن التوقعات الاقتصادية، رجّح البنك الدولي أن يظل العجز المالي للميزانية السعودية عند نحو 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2025-2027. ويعكس ذلك استمرار سياسة الإنفاق التوسعي التي تنتهجها الحكومة لدعم النمو وتحفيز الاستثمار في المشروعات التحولية الكبرى.
وفي المقابل، تستفيد المملكة من تراجع أسعار الفائدة عالميًا، بعد توجه الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى خفضها مؤخرًا، ما يقلل من تكلفة الاقتراض الخارجي ويدعم خطط التمويل.
انخفاض أسعار النفط يوسّع فجوة العجز
بحسب البنك الدولي، أدى انخفاض أسعار النفط خلال الفترة الأخيرة إلى اتساع العجز المالي، إلا أن المملكة ما زالت قادرة على إدارة هذه الضغوط بفضل المستويات المنخفضة نسبيًا للدين العام مقارنة بالاقتصادات النظيرة.
وأشار التقرير إلى أن إصدارات الدين الأخيرة رفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 32%، وهي نسبة لا تزال ضمن نطاق آمن، ما يمنح الحكومة مرونة في تمويل احتياجاتها دون مخاطر كبيرة على الاستدامة المالية.
ميزانية 2026: عجز أقل واستمرار الاقتراض
كانت وزارة المالية السعودية أعلنت الأسبوع الماضي عن ميزانية عام 2026، بعجز متوقع أقل نسبيًا عند 3.3%، مع ارتفاع الدين العام إلى نحو 1.62 تريليون ريال، بما يعادل 32.7% من الناتج المحلي الإجمالي. كما تتوقع الوزارة استمرار تسجيل عجز مالي حتى عام 2028.
وأكدت الوزارة أن عجز 2026 يأتي استمرارًا لنهج الإنفاق التوسعي المعاكس للدورة الاقتصادية، الهادف إلى دعم النمو وتحفيز الاستثمار، خاصة في المشروعات التحولية المرتبطة بمستهدفات رؤية السعودية 2030.
اقتراض 20 مليار دولار خلال 9 أشهر
أوضح البنك الدولي أن المملكة اقترضت بالفعل نحو 20 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، لترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 31.9%.
وفي هذا السياق، قال وزير المالية محمد الجدعان، بمناسبة إعلان الميزانية، إن الحكومة ستستدين بمستوى العجز، إضافة إلى أي عمليات إعادة تمويل للديون المستحقة خلال عام 2026، مؤكدًا أن هذه السياسة تأتي ضمن إدارة مالية منضبطة.
ضغوط مالية مؤقتة وحاجة لإصلاحات أعمق
يرى البنك الدولي أن الضغوط على المالية العامة للمملكة ارتفعت بشكل ملحوظ خلال العام الجاري، إذ بلغ العجز نحو 4% خلال النصف الأول من 2025، نتيجة تراجع أسعار النفط، في حين لم يكن نمو الأنشطة غير النفطية كافيًا لتعويض انخفاض الإيرادات النفطية.
ولفت التقرير إلى أنه على الرغم من التقدم الكبير في تنويع مصادر الدخل، لا تزال الإيرادات النفطية تمثل عنصرًا رئيسيًا في المالية العامة، ما يتطلب مزيدًا من الإصلاحات الهيكلية لتعزيز الاستدامة على المدى الطويل.
وفي المقابل، أكد وزير المالية أن تراجع الإيرادات النفطية لا يمثل خطرًا كبيرًا على المالية العامة، مشددًا على أهمية الاستمرار في السعي نحو استدامة مالية طويلة الأجل.
آفاق النمو حتى 2027 ودور القطاعات غير النفطية
يتوقع البنك الدولي أن يحقق الاقتصاد السعودي نموًا حقيقيًا بنسبة 4.3% في عامي 2026 و2027، بعد أن سجل نموًا بلغ 3.6% حتى نهاية النصف الأول من العام الجاري، مدفوعًا بتعافي الأنشطة النفطية واستمرار الأداء القوي للقطاعات غير النفطية.
وبحسب التقديرات، يُنتظر أن ينمو القطاع غير النفطي بمتوسط 4% خلال العامين المقبلين، في حين تنمو الأنشطة النفطية بنحو 5.4%، مستفيدة من الإلغاء التدريجي لتخفيضات الإنتاج ضمن تحالف أوبك+.
كما أشار البنك إلى أن قطاعات مثل السياحة والضيافة باتت من أهم محركات التنويع الاقتصادي، في ظل الاستثمارات الضخمة والمشروعات الكبرى التي تقودها الدولة.
في المقابل، تتوقع الحكومة السعودية نمو الاقتصاد بنسبة 4.6% خلال العام المقبل، مدفوعًا بالأنشطة غير النفطية، مع استمرار الاعتماد على صندوق الاستثمارات العامة كقائد رئيسي للنمو والاستثمار، إلى جانب الدور المكمل لـ صندوق التنمية الوطني.
